ذات يوم كان لي وطن!
(2010-7-14)

الهلال نيوز -
كتاب سري نسيبة رئيس جامعة القدس “ذات يوم كان لي وطن” ترجم الي الألمانية نقلا عن الانجليزية، واحتل الكتاب مكانه في أوائل هذا العام بين كتب السيرة الذاتية علي رفوف المكتبات الألمانية. الكتاب في حد ذاته يعتبر مرجعا هاما للألمان والعرب المهتمين بالقضية الفلسطينية، ذلك ان الكتاب صيغ بصورة السيرة الذاتية للمؤلف، وهي السيرة التي لم تنفصل عن معايشته للواقع الفلسطيني، الذي مر بأحداث ومحطات متعددة في قضية الصراع بين الفلسطينيين والإسرائيليين وكل تعقيداتها التي تطورت وطال أمدها بطولة مسيرة مؤلف الكتاب نفسه.
في بداية الكتاب حرص المؤلف علي ان يسجل بقلمه ـ كيف خطرت له فكرة تأليف الكتاب، الذي أسهب في محتواه حتي وصلت صفحاته الي 525 صفحة، كانت بداية الفكرة علي مقعد في الطائرة المتجهة الي الولايات المتحدة الاميريكية، كان سري نسيبة يجلس علي مقعده بعد يوم حافل قضاه في المشاركة في تشيع جنازة الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات في رام الله ـ عندما راح يقتل الوقت باستكمال قراءة كتاب اشتراه مؤخرا للكاتب الإسرائيلي “أموز أز”..عنوانه “الحب والظلام “، وهو سيرة ذاتية للكاتب، غير أن سري نسيبة في قراءته لفصول الكتاب، لم يلاحظ أي ذكر لكلمة العرب في مسيرة الكاتب التي بدأها في أوائل الخمسينات، مما اعطي نسيبه انطباعا ان الكاتب الإسرائيلي يجهل العالم العربي، وهي نفس المشكلة التي بدت فيها إسرائيل أيضا عالما مجهولا لسري نسيبة، فهو يقول في الكتاب ان هذا الجهل لدي الطرفين هو الذي جعلني افكر في نشأتي، ويؤكد علي ان احد الأمور التي ربما لعبت دورا أساسيا في الصراع الفلسطيني الإسرائيلي هو العجز عن معرفة حياة الآخرين بين أبناء الشعبين، لهذا السبب شرعت في انجاز هذا الكتاب، وفي إشارة خفية قصد الكاتب أيضا ان يكون الكتاب هو تفنيد ورؤية فلسطينية من وجهة نظره للأحداث التي مرت بها القضية الفلسطينية..علي غرار ما كتبه “اموز از” الذي روي قصة الصراع في مذكراته من وجهة نظره الاسرائيلية .
سري نسيبة هو من مواليد 1949 أي بعد نشأة إسرائيل بعام واحد، وهو احد أبناء أسرة مقدسية عريقة.. رافقت ولادته تلاشي نفوذ علية القوم في المدن الفلسطينية، وبدأت بعد ذلك مرحلة الشتات والهجرة للفلسطينين التي كان المؤلف وأسرته من بينها، سجل المؤلف في الكتاب مشاهداته علي الكثير من الأحداث السياسية، فقد سمحت له الظروف بالاحتكاك القوي بعالم السياسة، وذلك عندما تولي والده مناصب أردنية مختلفة، فقد عين في عام 1963 من قبل ملك الأردن محافظا لمنطقة القدس.
شهدت مسيرة سري نسيبة محطات علمية مهمة كما جاء في كتابه فقد انهي دراسته في جامعة أكسفورد في انجلترا في عام 1968 التي ذهب اليه طالبا في احدي مدارس النخبة بعد حرب الايام الستة،ثم اكمل دراسته للحصول علي الدكتوراه في جامعة هارفارد الشهيرة وبدأ في عام 1972 مسيرته العلمية في نهاية السبعينات في جامعة بيرزيت، وفي تلك الفترة بدأ نشاطا علميا متوازيا مع نشاط سياسي كبير بدأه في النقابات الفلسطينية، ووصل به الي لعب دور كبير في التمهيد للمفاوضات السرية التي جمعت بين الفلسطينيين والاسرائليين ، من ناحية أخري لعب دور الوسيط بين قيادة منظمة التحرير الفلسطينية في المنفي بتونس وبين السكان الفلسطينيين في الضفة الغربية لفترة طويلة.
يشغل سري نسيبة الآن منصب رئيس جامعة القدس في المدينة المقدسية نفسها، وقد ظهر في صياغة الكتاب طريقة تفكيره العلمية وفكره العلمي في السياق المثير والشيق للكتاب، أما انتمائه لفلسطين فقد حرص علي تأكيده، وتأصيل هويته وجزوره الفلسطينية من ذلك السرد لتاريخ عائلته التي ارتبطت بتاريخ فلسطين، خاصة في القرن العشرين.
تحدث نسيبة بإسهاب في الكتاب عن الحرب العالمية الأولي وثورة 1936 وتحدث عن إقامة إسرائيل عام 1948 وواصل الحديث حتي وصل الي مراحل الانتفاضة الفلسطينية المختلفة ووصل الي النقطة الراهنة التي أسفرت عن انتخابات فلسطينية برزت فيها حركة حماس بنشاط سياسي ظهر علي الساحة الفلسطينية واستمر حتي الآن،ولم ينسي ايضا ان يشير في الكتاب الي حركات الاستيطان الإسرائيلية المستمرة وتهويد المدن الفلسطينية بطرق عديدة وتحت مسميات كثيرة.
اهتم المؤلف أيضا بعلاقته برمز الثورة الفلسطينية ياسر عرفات وأشار الي تلك العلاقة التي لم تحتفظ ببعد ثابت في تاريخ علاقة الرجلين فهي كانت دائما متأرجحة بين قرب وبعد، غير انه لا يخفي إعجابه الشديد بالرجل، ذلك الإعجاب الذي لم يمنعه في بعد الأحيان من توجيه النقد له.
وطن واحد
يضع سري نسيبة في الكتاب تصوره لحل الصراع وهو باختصار إنشاء وطن مشترك لليهود والفلسطينيين وان يصبح اليهود والعرب حلفاء وان أي تفريق بينهم لن يجدي نفعا.. رغم ان هذا الطرح يلقي معارضة كبيرة من الجانبين، إلا ان نسيبة يعتقد من وجهة نظره الأكاديمية ان هذا الطرح هو الأفضل وسيبقي الأفضل لحل الصراع.
كثيرون يربطون الآن بين سيرة ادورد سعيد الذاتية المسماة “خارج المكان” وايضا سيرة حنان عشرواي “انا مولودة في فلسطين”، فادوارد سعيد ركز علي الجانب الثقافي والاجتماعي الفلسطيني، وركزت حنان عشرواي علي محادثات أوسلو، اما سري نسيبة فقد عرض في سيرته تاريخ الصراع الفلسطيني الإسرائيلي بشكل مسهب ويمكن القول في هذا الصدد ان كل هذه السيرات الذاتية الفلسطينية، إنما هي تكمل بعضها البعض في إطار الحفاظ علي الذاكرة الفلسطينية، في ذات الوقت الذي يؤكد فيه نسيبة أيضا انه ذكر في كتابه الحقائق الي غابت في كتاب “اموز از” الإسرائيلي عن عمد او ربما عن جهل.
تميز كتاب سري نسيبة أيضا بالنقد الذاتي، فقد نقد أيضا الكثير من الفرص الضائعة لإتمام السلام بين الجانبين الإسرائيلي والفلسطيني،وفي النهاية يشير الي تفاؤل غامض سيأتي يوما ما لإنهاء هذا الصراع الدائم.
ايلاف
نسخة للطباعة
أضف تعليقاً